الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
581
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
فنفختهما فطارا ، فأولتهما : كذابين يخرجان من بعدى ، فهذان هما : أحدهما العنسي صاحب صنعاء والآخر مسيلمة » « 1 » . فإن قلت : كيف يلتئم خبر ابن إسحاق مع الحديث الصحيح أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - اجتمع به وخاطبه ، وصرح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريدة ما أعطاه . فالجواب : إن المصير إلى ما في الصحيح أولى . ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين ، الأولى كان تابعا وكان رئيس بنى حنيفة غيره ، ولهذا أقام في حفظ رحالهم ، ومرة متبوعا ، وفيها خاطبه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم - . أو القصة واحدة ، وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارا أن يحضر مجلس النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، وعامله - صلى اللّه عليه وسلم - معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف فقال لقومه : « إنه ليس بشركم » أي مكانا ، لكونه يحفظ رحالهم ، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل ، فلما لم يفد في مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار . والعلم عند اللّه تعالى . وقدم عليه - صلى اللّه عليه وسلم - وفد طىء « 2 » وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم ، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم . وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل ، فإنه لم يبلغ كل ما فيه » ثم سماه زيد الخير . فخرج راجعا إلى قومه ، فلما انتهى إلي ماء من مياه نجد أصابته الحمى بها فمات « 3 » . قال ابن عبد البر : وقيل مات في آخر خلافة عمر . وله ابنان : مكنف
--> ( 1 ) صحيح أخرجه البخاري ( 4374 ) في المغازي ، باب : وفد بنى حنيفة ، ومسلم ( 2273 ) في الرؤيا ، باب : رؤيا النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - . ( 2 ) انظر « السيرة النبوية » لابن هشام ( 2 / 577 - 578 ) ، وابن سعد في « طبقاته » ( 1 / 321 ) ، وابن القيم في « زاد المعاد » ( 3 / 616 ) . ( 3 ) أخرجه البيهقي في « دلائل النبوة » ( 5 / 337 ) .